الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
157
تفسير روح البيان
ولا يعلو منها دخان فتسوروا الحيطان ودخلوا فرأوهم قد صار الشبان قردة والشيوخ خنازير لها أذناب يتعاوون فعرفت القردة أنسابهم من الانس ولم يعرف الانس أنسابهم من القردة فجعلت القردة تأتى نسيبها من الانس فتشم ثيابه وتبكى فيقول ألم ننهكم عن ذلك فكانوا يشيرون برؤسهم اى نعم والدموع تفيض من أعينهم ودل ذلك على أنهم لما مسخوا بقي فيهم الفهم والعقل ثم لم يكن ابتداء القردة من هؤلاء بل كانت قبلهم قردة وهؤلاء حولوا إلى صورتها لقبحها جزاء على قبح أعمالهم وأفعالهم وماتوا بعد ثلاثة أيام ولم يتوالدوا والقردة التي في الدنيا هي نسل قردة كانت قبلهم فَجَعَلْناها اى صيرنا مسخة تلك الأمة وعقوبتها نَكالًا اى عبرة تنكل من اعتبر بها اى تمنعه من أن يقدم على مثل صنيعهم لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها اى لما قبلها وما بعدها من الأمم والقرون لان مسختهم ذكرت في كتب الأولين فاعتبروا بها واعتبر بها من بلغتهم من الآخرين فاستعير ما بين يديها للزمان الماضي وما خلفها للمستقبل وَمَوْعِظَةً اى تذكرة لِلْمُتَّقِينَ الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم أو لكل متق سمعها فاللام للاستغراق العرفي على التقديرين : قال السعدي نرود مرغ سوى دانه فراز * چون دكر مرغ بيند اندر پند پند كير از مصائب دكران * تا نكيرند ديكران ز تو پند واعلم أن هذا البلاء والخسران جزاء من لم يعرف قدر الإحسان ومن يكافئ المنعم بالكفران يرد من عزة الوصال إلى ذل الهجران وكان عقوبة الأمم بالخسف والمسخ على الأجساد وعقوبة هذه الأمة على القلوب وعقوبات القلوب أشد من عقوبات النفوس قال اللّه تعالى وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ الآية هكذا حال من لم يتأدب في خدمة الملوك وينخرط في أثناء السلوك ومن لم يتخط بساط القرية بقدم الحرمة يستوجب الحرمان ويستجلب الخسران ويبتلى بسياسة السلطان * ثم علامة المسخ مثل الخنزير ان يأكل العذرات ومن أكل الحرام فقلبه ممسوخ * ويقال علامة مسخ القلب ثلاثة أشياء لا يجد حلاوة الطاعة ولا يخاف من المعصية ولا يعتبر بموت أحد بل يصير ارغب في الدنيا كل يوم كذا في زهرة الرياض * وروى عن عوف بن عبد اللّه أنه قال كان أهل الخير يكتب بعضهم بثلاث كلمات من عمل لآخرته كفاه اللّه امر دنياه ومن أصلح ما بينه وبين اللّه أصلح اللّه ما بينه وبين الناس ومن أصلح سريرته أصلح اللّه علانيته * قال محمد بن علي الترمذي صلاح أربعة أصناف في أربعة مواطن صلاح الصبيان في الكتاب وصلاح القطاع في السجن وصلاح النساء في البيوت وصلاح الكهول في المساجد وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ توبيخ آخر لا خلاف بني إسرائيل بتذكير بعض جنايات صدرت من أسلافهم اى واذكروا قول موسى عليه السلام لاجدادكم إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً هي الأنثى من نوع الثور أو واحد البقر ذكرا كان أو أنثى من البقر وهو الشق سميت به لأنها تبقر الأرض اى تشقها للحراثة وسببه انه كان في بني إسرائيل شيخ موسر فقتله بنوا عمه طمعا في ميراثه فطرحوه على باب المدينة أو حملوه إلى قرية أخرى والقوه بفنائها ثم جاؤوا يطالبون بديته وجاؤوا بناس يدعون عليهم القتل فسألهم موسى فجحدوا فاشتبه امر القتيل على موسى